محمد بن زكريا الرازي
15
كتاب الشكوك على كلام فاضل الأطباء جالينوس
المشهود لهم بعلو المنزلة ورفعة الشأن ؛ بل نراه يقول عن نفسه : " أنا أستوحش من مخالفة القدماء كلهم " « 1 » ، وذلك متى لم يكن لمجانبة رأى القدماء ضرورة . وهو يبرّر موقفه النقدى من جالينوس ، فيقول : " يعلم الله مضضا في نفسي ، إذ قد بليت بمقابلة من هو أعظم الخلق علىّ منّة وأكثرهم لي منفعة ، وبه اهتديت ، وأثره اقتفيت ، ومن بحره استقيت بما لا ينبغي أن يقابل به العبد سيده ، والتلميذ أستاذه ، والمنعم عليه ولىّ نعمته ، وبودّى - يشهد الله - أن هذه الشكوك التي ذكرتها في هذا الباب لم تكن في كتب هذا الرجل الفاضل ، العظيم قدره ، الجليل خطره ، العام نفعه ، الباقي بالخير ذكره . وإنّ صناعة الطب والفلسفة لا تحتمل التسليم للرؤساء والقبول منهم ، ولا مساهلتهم وترك الاستقصاء عليهم ، ولا الفيلسوف يحبّ ذلك من تلاميذه والمتعلمين منه ، كما ذكر ذلك - أيضا - جالينوس في كتابه " منافع الأعضاء " حيث وبّخ الذين يكلّفون أتباعهم وأشياعهم القبول منهم بلا برهان . وكان أكثر ما جرّأنى وسهّل علىّ هو أنّ الرجل لو كان حاضرا لم يلمنى على تأليف هذا الكتاب ولم ( يثقل ) ذلك عليه إيثارا منه للحق وحبا لتقصى المباحث وبلوغ أواخر لها ، بل كان سيشرع بهمة ونشاط إلى تصفحه والنظر فيه ، وإمّا حلّ جميع الشكوك التي فيه ، وحمدني على أن صرت سببا ؛ لأن كلامه في هذه المواضع المشكوك فيها صار له فضل بيان وحراسة عن المطاعن على ما كان عليه من قبل ، وإما أن يرجع عنها كلها ، فكان يحمدنى حمدا أكثر إذ صرت منبّها له على السهو والغفلة الموكلة بالبشر ، وإمّا حلّ بعضها ورجع عن بعض وكان يجتمع فيه الأمران . أمّا من لا منى وجهّلنى في استخراج هذه الشكوك والكلام فيها فإني لا أرتفع به
--> ( 1 ) الرازي : " الحاوي " ، ج 3 ، ص 245 .